الشريف المرتضى

535

الذخيرة في علم الكلام

والكفر عندنا لا يكون إلا من أفعال القلوب دون أفعال الجوارح ، كما أن الايمان لا يكون إلا بالقلب دون الجارحة ، وسنبيّن ذلك عند الكلام في الأسماء والأحكام . فأما أصحابنا الإمامية فإنهم يرون على ما ذكرناه ، ويجعلون الكفر هو الاخلال بكل معرفة واجبة في أصل وقوع ، ويلحقون الخلاف في الإمامة بالخلاف في النبوة في أنه كفر ، وكذلك العلم بالأحكام الفرعيات من حظر وإباحة ووجوب ، ويحكمون بكفر من خالف في جميع ذلك ، لأن على الجميع عندهم دلائل قاطعة وطرقا إلى العلم ، فالأصول كالفروع . واجماع الامامية حجة ، لما بيناه في غير موضع لكون المعصوم فيهم ، غير أنهم لا يكفّر بعضهم بعضا لأجل الخلاف في بعض الفروع من الأحكام الشرعية ، فبينهم خلاف معروف في مسائل متفرقة كالقول بالرؤية والعدد في الشهور وأن لفظ الطلاق الثلاث في حال واحدة يقع منه واحدة أو لا يقع شيء ، ومسائل متفرقة في المواريث . ولم نجدهم كفّروا مخالفيهم ولا حكموا عليه بالخروج عن الايمان بالخلاف في هذه المسائل إذا كان موافقا لهم في جميع الأصول والفروع ، وإذا كانت الحجة هي اجماعهم فيجب أن نكفر من كفروا ونتوقف فيمن لم يكفروه . فلم يبق إلا أن يقال لنا : كيف لا يكفر بالخلاف فيما ذكرتموه من ذهب إليه ، فلو وقع هذا الخلاف من مخالف في الأصول لكان كفرا عندكم ؟ قلنا : ليس يمتنع أن يكون الفعل الواحد يزيد عقابه إذا وقع على بعض الوجوه حتى يبلغ إلى أن يكون كفرا ، لأنا قد بينا أن الكفر هو ما دام عقابه ، ولا يمتنع أن يكون هذا الفعل إذا وقع على وجه آخر يكون عقابه أنقص وغير زائد .